المشاركات

عرض المشاركات من أبريل, 2025

مابين لويس أرمسترونغ .. إلى ياس خضر

صورة
الفتاة التي تكبرني بعشرة أعوام و أنا صبي في التاسعة ، طلبت مني ألبوم لمغني لا يحضرني اسمه لكن كل ما أتذكره انها لموسيقى (  الجاز  ) لكنّي أتذكر تمامًا أنها قالت: “ جاز …  أنت   تحب   الموسيقى،   أليس   كذلك؟ ” وأنا، يا الله… كنت لا أعرف “ الجاز ”، ولا الألبومات، ولا العالم الذي تسكنه،سوى إني  ورع  يحب بنت أكبر منه  وأن  قلبًا صغيرًا  قد بدأ يُصغي لأنغام لم يسمعها.  وأنا بالكاد أفقه من الحياة شيئًا سوى أن وجودها يُربكني، وأن ابتسامتها كانت كفيلة بجعلي أركض في شوارع مدينتي الصغيرة التي يغلق الباعة أبوابهم قبل العاشرة مساءً ،أطرق أبواب محلات الكاسيت القديمة، أتوسل للباعة أن يُخرجوا لي أي شيء يشبه ما قالت. كنت كمن يبحث عن كوكبٍ لا يظهر في مجرتنا ،عن ألبومٍ لا يعرف اسمه، لمغنٍ لا يتذكر ملامحه لكن لم يكن ذلك مهمًا، فأنا كنت أبحث عنها، لا عنه،أبحث عن بصمة من يدها على غلاف شريط، أو عن أغنيةٍ تقول لي:  “لقد اقتربت منها، ولو لحظة.”

فتاة في حقيبتي

جسر الإنسان إلى الإنسان ، كان أهم امتداداً لي من شهادة دكتوراه أعلقها لكي يراها جارنا الحربي ، و يسأل عنها ابوعبدالوهاب الشمري ، متقابلين يلمزون لوالدي عني ربما خبأت فتاة ( بولندية ) في حقيبتي كهدية لهم لحسن جيرتهم ربما ، فيرد والدي (لو فيه خير جاب لي أنا يا ابوه !) . ومن أفكار الشيبان بالفنتازيا الجنسية التي لا تتعدى (وجار الدلال ) إلى أعمق شعور تشكلت به شخصيتي وكيف إني هاجرت مع كل فرد سوري ركب قارب مطاطي في نهر ايڤروس مختبأً بين الحدود البحرية. متنقلاً مابين أفئدة أصدقائي العراقيين و السوريين حاملاً على متناي جسراً إلى المغرب العربي،أقتسم معهم بلهجاتنا المختلفة نفس الدمعة. كان جسري ذاك يمتد أبعد من الشهادات، وأعمق من الوجاهات الاجتماعية.كان يمتد حيث تسقط كل الفوارق: اللهجة، والجنسية، واللون، والمذهب،ولا يبقى إلا الإنسان عاريًا من كل شيء، إلّا من قلبه. عائداً إلى قريتي ، ومعي حقيبة فيها هم واحد مشترك ، من غير فتاة بولندية بالطبع .!

غادة الملعبنة و غسان المسودن

صورة
في كثير من نصوص غادة السمان  (مثل “لا  بحر في بيروت” و”اعرف أني أحبك”)، يتكرر عندها تصوير المرأة التي  تنتصر لكرامتها  رغم الاحتراق  العاطفي . وكأنها تقول دائماً: “قد أحب، ولكن لن أنحني.” وهذا الانتصار الرمزي على الانجراف في  قصة  حب لرجل متزوج كان متسقًا جدًا مع شخصيتها الأدبية والإنسانية. لكن في المقابل كانت بذكاء أنثوي بالغ، لم تقل أبدًا أنها كانت تبادله نفس الشعور.  ولا أنكرت أنها كانت تحب أن تكون  “المختارة”  وسط كل نساء الأرض في قلبه، كما يقولون العراقيون  " ملعبنة  " فعندما نشرت رسائله الغرامية عام 1992 ، ومن خلال المنهج التحليلي النفسي للمرأة المتلقية للغزل” الذي استند عليه فرويد لاحقًا في نظرياته عن  النرجسية الأنثوية ،هناك ميل طبيعي لدى بعض النساء ـ خاصة المستقلات والموهوبات مثل غادة ـ لأن  يتغذين عاطفيًا  على فكرة أن هناك من يراهن استثنائيات. رسائل غسان كانت بمثابة  تغذية نرجسية عالية الجودة  لها، لأنها جعلتها ترى نفسها بعيون رجلٍ كبير، موهوب، مناضل، شاعر، يرى فيها (المرأة الحلم). لكنها ...

العين التي لا ترى و لكنها تؤمن

صورة
اليوم وأنا اتأمل شفتاك و طريقة حديثك العفوي التلقائي ، تذكرت مقولة هيلين كيلر ( الأشياء الأكثر جمالًا في العالم لا يُمكنك رؤيتها أو حتّى لمسها، يجب أن تشعر بها بِقلبك) وأنا يا هيلين استغرق مني عقدٌ من الزمن، في كل صباح استيقظ مبتسماً لفتح عظيم أجده في شخصيتها ، وكأنه حقل نفط كلما قال الخبراء انه نضب جد له أخاديد جديدة من هذه الأرض المجهولة التي لم تكتشف بعد . هي ليست عين محب، بل أكثر من ذلك ، بعيداً عن معايير الجمال و قوانيين الجذب التي لا أؤمن بها إلا معك ، حيث أخذتِ من وقتي و صحتي لأكتشف هذا السر،وكأنكِ لوحٌ كتب بلغة آرامية وجد على شاهد قبر رجلٍ من كنعان، تاه في صحراء النقب، ولم يعد .

عن الحب والانقلابات الناعمة

صورة
لا تعتقدي أني في أول موعد لنا سأحدثكِ عن جمال عينيكِ،أو كيف أن نظرتكِ الأولى أربكت نظامي الداخلي وأسقطت كل دفاعاتي.أنا لا أجيد قول “أحبك” ببساطة، لكنني أتقن الإشارة، التلميح، والكلمات التي تُشبه الالتفاف على الحقيقة دون أن أنكرها.كما تلتف أوكرانيا على أقاليم دونيتسك الآن. سأحدثكِ عن السياسة، عن تقلبات العالم، عن سقوط الأيديولوجيات،عن وهم الديمقراطية حين تكون بلا رحمة،وعن الأوطان التي تُشبهنا صامتةً تنتظر أن يفهم صمتها.سأحدثكِ عن أن الأكراد لن يُحكموا طويلاً لأن ليس لهم حاضنة شعبية، وحاضنتي الشعبية هي أنتِ . سأقول إن بعض الحكومات تخاف من الشعر،كما أخاف أنا من قولكِ: “ أنا وش أعني لكِ؟ ”ربما أيضًا قد أنسى نفسي وأقول فجأة: “ أتعلمين؟ الحب أيضًا نوع من الانقلاب، انقلاب ناعم لكنه جذري، يُغيّر فيني كل شيء دون أن تطلقي رصاصة.