همسَ في أذنها، لم يقل “مشتاق” بل قال شيئًا يشبه الوطن، و أنتِ تعلمين يا ( هيلين )، أن الإنسان لا يغير وطنه ولا المكان الذي يشبه قلبه، وأنتِ كنتِ دائمًا ذلك المكان، كأنكِ هويتي الضائعة . فحينما أسأل على المعابر من أين أنت؟ فلا يتبادر بذهني جغرافية المكان، بل في أفكارنا، مساحة الاتفاق، التي وجدت الأمان ، حتى اختلافنا الذي أحتاجه، مشاريعي الكبرى، وكل تفاهاتي الصغرى التي تضحكين عليها أحيانًا، فأعلم أنكِ بغاية الرضى عني. أنتِ قريبة إلى حد أني أشعر بنبرة صوتكِ حين تبتسمين، أفهم صمتكِ الطويل، نزاعاتكِ الداخلية سخطك أحيانًا. كنت أفكر اليوم كم أننا كبرنا معًا دون أن نشعر؟، لا أتحدث عن السنوات، بل عن الحياة التي تراكمت بيننا؛ عن كل ما تقاسمناه من أحاديث، ضحكات، ودموع صامتة لا يفهمها سوانا. هل أخبرتكِ يومًا أني حين أتعثر، أعود إليكِ وكأنكِ مرجعي الأصدق في هذه الدنيا؟ كنتِ هديتي الأثمن، وكان وجودكِ جوابي المفضل عن سؤال: " كيف نجوتُ من كل هذا" ؟ فيصل المهيـد
كل نصيحة كانت تُسدى إليّ في الصغر كانت بمثابة الإهانة الشخصية، شيء ما يمسّ هذه النفس الرطبة والكبرياء الصلد، كانت قائمة أعدائي هم أولئك الذين لا يتوانون عن مصارحتي!. هذه الديكتاتورية التي مارستها على نفسي آتت أكلها، فهذه اللوحة الرمادية وهذا الطريق المظلم، لم تكن إلا بداية الشقاء. كنت أظن أن الحياة تدور حولي ، فقط أنا ،كما يقول راسل “الشباب واثق من كل شيء، إلى أن يعلّمه الزمن أن الشك أصدق من الغرور." لكن الحياة لا تعطيك وجهها دفعةً واحدة. الخبرة لا تُشترى، بل تُكتسب من الألم، من الخسارة، من الانكسارات التي جعلتنا نعيد قراءة كل شيء من جديد: رسائل الطفولة، مواقف الأهل، وصمت الأصدقاء. في الثلاثين أو الأربعين، تبدأ بقراءة الحياة كما كتبت، لا كما كنت تودّ أن تُكتب. يقول العقاد بعد أن هادن الحياة "ارتفع عندي مقياس الجمال، فما كان يعجبني قبل عشر سنين لا يعجبني الآن، فلستُ أشتهي منه أكثر مما أطيق.. كنتُ أحبُّ الحياة كعشيقة تخدعني بزينتها الكاذبة وزينتها الصادقة، فأصبحت أحبها كزوجة أعرف عيوبها وتعرف عيوبي". فيصل المهيد
غربتي الممتدة منذ المراهقة، لم تكن مجرّد خريطة جغرافية تتغير كل بضع سنوات، بل كانت خريطة روحية وهي تتنقّل بين ضفّات الحنين،وملامح المدن التي لا تشبه بعضها، لكنها تـشبه شيئًا مـا في داخلي. من الأهواز حيث يمتد الجسر الأبيض فيها. و يصعد بي إلى المنفى، إلى سواحل المغرب حـيثُ تغتسل الحروف بالملح والريح، كنت أتشكل، لهجةً إثر لهجة، وأجمع رصيدًا من الفراسة، لا في السياسة ولا التجارة، بل في العلوم البشرية ، في فهم الإنسان حين يتحدث، لا بما يقول، بل بما يختلج خلف نبراته . اليوم سمعت أحد الباحثين يقول : اللهجة العراقية تكاد تكون اللهجة الانسانية الوحيدة التي تمتلك حق الشرعية،بالكلام نيابة عن الحزن لما لها من نغمات و أجراس تقطع نياط القلب يقول الشاعر : " هويتي و صورتك كل وقتي هن وياي وحدة أعبر مدن و الثانية أيامي !! " فتشعر أن الهوية هي ورقة العبور التي تخولني للمرور من هذه الحواجز ، أما عبوري من حواجزي النفسية فلا تكتمل إلا بصورتك . تأملت قوله، ووجدتني أتأمل بكل جوارحي.ليس لأنني عراقي، بل لأنني ابن هذا الذرى ولست غريباً عليه فمرّ بي الحزن كما يمر ريل حمد بقرية. ...
تعليقات
إرسال تعليق