المشاركات

تحت العباية تلبديني .. سامحيني

صورة
غربتي الممتدة منذ المراهقة، لم تكن مجرّد خريطة جغرافية تتغير كل بضع سنوات، بل كانت خريطة روحية وهي تتنقّل بين ضفّات الحنين،وملامح المدن التي لا تشبه بعضها، لكنها تـشبه شيئًا مـا في داخلي. من الأهواز حيث يمتد الجسر الأبيض فيها. و يصعد بي إلى المنفى، إلى سواحل المغرب حـيثُ تغتسل الحروف بالملح والريح، كنت أتشكل، لهجةً إثر لهجة، وأجمع رصيدًا من الفراسة، لا في السياسة ولا التجارة، بل في  العلوم البشرية ، في فهم الإنسان حين يتحدث، لا بما يقول، بل بما يختلج خلف نبراته . اليوم سمعت أحد الباحثين يقول : اللهجة العراقية تكاد تكون اللهجة الانسانية الوحيدة التي  تمتلك حق الشرعية،بالكلام نيابة عن الحزن  لما لها من نغمات و أجراس تقطع نياط القلب يقول الشاعر : " هويتي و صورتك كل وقتي هن وياي  وحدة أعبر مدن و الثانية أيامي !! " فتشعر أن الهوية هي ورقة العبور التي تخولني للمرور من هذه الحواجز ، أما عبوري من حواجزي النفسية فلا تكتمل إلا بصورتك . تأملت قوله، ووجدتني أتأمل بكل جوارحي.ليس لأنني عراقي، بل لأنني ابن هذا الذرى ولست غريباً عليه فمرّ بي الحزن كما يمر  ريل حمد  بقرية. ...

حيث يذوب القارئ في النص، فيذوب النصّ فيه.

صورة
حين نقرأ، لا ندخل إلى النص بأقدامنا فقط، بل نحمله على أكتافنا، نُسقط عليه مشاعرنا ، ونحاول دون وعي أن نجد فيه أنفسنا. وهنا لا يكون النص مجرد كلمات على صفحة، بل يتحوّل إلى  مرآة ، لا  مرشد ؛ لا يدلّنا على معناه، بل يعكس ما نحن عليه. هذا ما يسميه النقد المعاصر بـ  “Affective Misreading”  أو  القراءة العاطفية   – ظاهرة نفسية-أدبية تعني: أن القارئ لا يقرأ النص بذاته، بل يقرأ مشاعره داخله، يرى ذاته، لا موضوع النص. فلا يعود السؤال:  “ ماذا   قال   الكاتب؟ ”  بل يصبح:  “ ماذا   أحسستُ   أنا   حين   قرأته؟ • قارئة كتبت: “ بكيت   حين   قرأت   النص،   ليس   لأنه   حزين،   بل   لأنه   يشبهني …” هذا هو  Affective Misreading  بعينه. هل  هذا خطأ؟ ليس دائمًا. النقد الأدبي لا يعتبر هذه القراءة “خاطئة” بحد ذاتها، بل  يُميّز فقط  أنها ليست قراءة تحليلية أو تأويلية خالصة، بل قراءة  وجدانية  شخصية جدًا. المصطلح يرتبط أيضًا بما يُعرف في النقد باسم...

دكتاتور العوجة هو نفسه دكتاتور القرداحة

المتابع للمشهد العربي ، المليء بالاديولوجيات الدينية، والخطابات العاطفية التي تغذي المواطن العربي البسيط ، حتى أعتقد أن الطفل عمر ابن الحولة يستحق هذه الميتة البشعة، لانه فقط لا يوافقه مذهبياً ، أو يعتقد أن كرار يستحق هذا الاعدام الميداني في الدحيل لأنه لم يوافقه في معتقداته.  الجزار واحد ، وهي في حقيقتها ليست سوى  رغبة متوحشة في سفك المختلف، لا فهمه لكن من علّم هذا المواطن أن الكفن يُفصَّل على مقاس الطائفة؟من أقنعه أن الإنسان لا يُقاس بدمه، بل بمذهبه؟ من صاغ له وعيًا يرى في الجزار بطلاً إذا وافقه، وفي القتيل مذنبًا إذا خالفه . هنا السؤال الأخطر : هل نحن فعلاً نكره الظلم؟ أم نكره أن نُظلم فقط؟ فيصل المهيد

عشيقة كاذبة

كل نصيحة كانت تُسدى إليّ في الصغر كانت بمثابة الإهانة الشخصية، شيء ما يمسّ هذه النفس الرطبة والكبرياء الصلد، كانت قائمة أعدائي هم أولئك الذين لا يتوانون عن مصارحتي!. هذه الديكتاتورية التي مارستها على نفسي آتت أكلها، فهذه اللوحة الرمادية وهذا الطريق المظلم، لم تكن إلا بداية الشقاء. كنت أظن أن الحياة تدور حولي ، فقط أنا ،كما يقول راسل “الشباب واثق من كل شيء، إلى أن يعلّمه الزمن أن الشك أصدق من الغرور." لكن الحياة لا تعطيك وجهها دفعةً واحدة. الخبرة لا تُشترى، بل تُكتسب من الألم، من الخسارة، من الانكسارات التي جعلتنا نعيد قراءة كل شيء من جديد: رسائل الطفولة، مواقف الأهل، وصمت الأصدقاء. في الثلاثين أو الأربعين، تبدأ بقراءة الحياة كما كتبت، لا كما كنت تودّ أن تُكتب. يقول العقاد بعد أن هادن الحياة "ارتفع عندي مقياس الجمال، فما كان يعجبني قبل عشر سنين لا يعجبني الآن، فلستُ أشتهي منه أكثر مما أطيق.. كنتُ أحبُّ الحياة كعشيقة تخدعني بزينتها الكاذبة وزينتها الصادقة، فأصبحت أحبها كزوجة أعرف عيوبها وتعرف عيوبي".  فيصل المهيد

صديق في بودابيست

لم أكن خصمك. كنتُ مرآتك، لكنك لم تطيق رؤية ما يعكسه وجهي من ملامحك. أردت شتيمة تُطمئنك أنني مثلك: هشّ، منفعل، قابل للانجرار… لكن خاب ظنك. لستُ هنا لأصارع، ولا لأقنعك، ولا لأبرئ نفسي أنا هنا لأُبقي في لغتي حيّزًا للرحمة، حتى مع من يُسيء. لأني لا أُشهر قلمي كخنجر، بل أمدّه كيد، لا تهين، لكنها لا تُصافح من يُغمد فيها السم. أوهامك الداخلية ، صراعاتك الذهنية ، ليس لي يد بها، رأيتك ملاذ، و ملاك نقي، و أنا أعلم أنك كذلك، لكنك تظهر على صورةً خام لإنسانٍ لم تُنضجه التجارب بعد. هل تذكر آخر رحلة ونحن في بودابيست ؟ عندما قلت لي " أنا أغير أصدقائي كل خمس سنوات " كنت أضحك لأني لم أصدق ، الآن أصدق !

الدولة الزرقاء و رغبات المومس

كانت تقول للدول المجاورة أعلم أنكم تريدون لحضة سلام بين أحضاني وتدفعون من أجلها المال ولكن تخافون من شعوبكم .. هكذا نشأت وهي تحمل في ذاكرتها الجمعية أهوال المحرقة، فبَنَت مشروعها على عقدة البقاء، وأقنعت نفسها أنها مهددة دائمًا، حتى حين امتلكت أقوى ترسانة في المنطقة. وتمامًا كما تفعل المومس التي عانت قهرًا قديمًا، استبطنت الجرح، ثم صعدت فوقه، وبدأت تعرض جسدها للعبور، لا للارتباط. لكن الفرق أن الدولة الزرقاء لا تعرض الجسد، بل تعرض القنابل، الجدار، والحدود. هي لا تقاتل فقط كي تنتصر، بل كي يراها   الآخرون، يعترفوا بها، يحبّوها إن أمكن. فهي الدولة الوحيدة التي تملك قنبلة نووية لكنها ما تزال تخاف من صاروخ كرتوني في غزة. وكأنها تقول: “أنا قوية… أنا مرغوبة… لا تنسوني في ليل هذا العالم.” لكن، مثلما لا تمنح السوق للمومس حبًا، لا تمنح الجغرافيا للدولة الزرقاء سلامًا. هي تقاتل لتبقى، لا لتُحَب. تحارب من أجل البقاء، لكنها تخسر كل يوم فرصة أن تكون طبيعية، بشرية، مشروعة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما زادت قوتها العسكرية، زادت حاجتها إلى الحرب. وكلما رفعت صوتها بـ”الحق التاريخي”، انكشفت هشاشتها ...

مابين لويس أرمسترونغ .. إلى ياس خضر

صورة
الفتاة التي تكبرني بعشرة أعوام و أنا صبي في التاسعة ، طلبت مني ألبوم لمغني لا يحضرني اسمه لكن كل ما أتذكره انها لموسيقى (  الجاز  ) لكنّي أتذكر تمامًا أنها قالت: “ جاز …  أنت   تحب   الموسيقى،   أليس   كذلك؟ ” وأنا، يا الله… كنت لا أعرف “ الجاز ”، ولا الألبومات، ولا العالم الذي تسكنه،سوى إني  ورع  يحب بنت أكبر منه  وأن  قلبًا صغيرًا  قد بدأ يُصغي لأنغام لم يسمعها.  وأنا بالكاد أفقه من الحياة شيئًا سوى أن وجودها يُربكني، وأن ابتسامتها كانت كفيلة بجعلي أركض في شوارع مدينتي الصغيرة التي يغلق الباعة أبوابهم قبل العاشرة مساءً ،أطرق أبواب محلات الكاسيت القديمة، أتوسل للباعة أن يُخرجوا لي أي شيء يشبه ما قالت. كنت كمن يبحث عن كوكبٍ لا يظهر في مجرتنا ،عن ألبومٍ لا يعرف اسمه، لمغنٍ لا يتذكر ملامحه لكن لم يكن ذلك مهمًا، فأنا كنت أبحث عنها، لا عنه،أبحث عن بصمة من يدها على غلاف شريط، أو عن أغنيةٍ تقول لي:  “لقد اقتربت منها، ولو لحظة.”